محمد باقر الملكي الميانجي

75

مناهج البيان في تفسير القرآن

إليه فقالوا : يا أبا عبد شمس ، ما هذا الّذي يقول محمّد ؟ أشعر هو ؟ أم كهانة ؟ أم خطب ؟ فقال : دعوني أسمع كلامه . فدنا من رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فقال : يا محمّد ، أنشدني من شعرك . قال : ما هو شعر ؛ ولكن كلام اللّه الّذي ارتضاه لملائكته وأنبيائه ورسله . فقال : أتل عليّ منه شيئا . فقرأ عليه رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - حم سجدة . فلمّا بلغ قوله : « فَإِنْ أَعْرَضُوا » يا محمّد يعني قريشا « فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ » . فاقشعرّ الوليد ، وقامت كلّ شعرة على رأسه ولحيته . ومرّ إلى بيته ولم يرجع إلى قريش من ذلك . فمشوا إلى أبي جهل فقالوا : يا أبا الحكم ، إنّ أبا عبد شمس صبا إلى دين محمّد ! أما تراه لم يرجع إلينا ؟ ! فغدا أبو جهل إلى الوليد فقال : يا عمّ ، نكست رؤوسنا وفضحتنا ، وأشمتّ بنا عدّونا ، وصبوت إلى دين محمّد ! فقال : ما صبوت إلى دينه ، ولكنّي سمعت كلاما صعبا تقشعّر منه الجلود . فقال له أبو جهل : أخطب هو ؟ قال : لا . إنّ الخطب كلام متّصل ، وهذا الكلام منثور ، ولا يشبه بعضه بعضا . قال : أفشعر هو ؟ قال : لا . أما إنّي قد ( لقد ) سمعت أشعار العرب بسيطها ومديدها ورملها ورجزها ، وما هو بشعر . وفي الجوامع / 517 : وروي أنّ الوليد قال لبني مخزوم : واللّه لقد سمعت من محمّد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجنّ . إنّ له الحلاوة . وإنّ عليه لطلاوة . وإنّ أعلاه لمثمر . وإنّ أسفله لمغدق . وإنّه يعلو وما يعلى . أقول : إنّ اللّه - سبحانه - قد نصر رسوله - صلّى اللّه عليه وآله - على أعدائه ، وجعل كلمته العليا ، وجعل كلمة الّذين كفروا السفلى . وقد تجلّى القرآن الكريم بأتمّ مجاليه ومظاهره ، واستبان عظمته وتعاليه علوّا يعلو ولا يعلى عليه ويغلب ولا يغلب . فقد فضح اللّه وليدا وأذلّه وخذله ونكس رأسه . وبفضيحته ، افتضح قريش ، وفشى ذلك في محافلهم ومجالسهم . وقد أهلك اللّه تعالى وليدا باختلاقه وافترائه على القرآن الكريم أنّه سحر وأرضى قريشا بذلك . وقدّر ذلك بنكراه وشيطنته تقديرا عجيبا ؛ حيث ذكر اللّه